ابن الأثير

549

الكامل في التاريخ

فاستيقظ عمر بجلبة النّاس فاستوى جالسا [ 1 ] ثمّ نظر إلى الهرمزان ، فقال : الهرمزان ؟ قالوا : نعم . فقال : الحمد للَّه الّذي أذلّ بالإسلام هذا وغيره أشباهه ! فأمر بنزع ما عليه ، فنزعوه وألبسوه ثوبا صفيقا ، فقال له عمر : يا هرمزان ، كيف رأيت عاقبة الغدر وعاقبة أمر اللَّه ؟ فقال : يا عمر ، إنّا وإيّاكم في الجاهليّة كان اللَّه قد خلّى بيننا وبينكم فغلبناكم ، فلمّا كان الآن معكم غلبتمونا . ثمّ قال له : ما حجّتك وما عذرك في انتقاضك مرّة بعد أخرى ؟ فقال : أخاف أن تقتلني قبل أن أخبرك . قال : لا تخف ذلك ، واستسقى ماء فأتي به في قدح غليظ ، فقال : لو متّ عطشا لم أستطع أن أشرب في مثل هذا ! فأتي به في إناء يرضاه ، فقال : إنّي أخاف أن أقتل وأنا أشرب . فقال عمر : لا بأس عليك حتى تشربه ، فأكفأه ، فقال عمر : أعيدوا عليه ولا تجمعوا عليه بين القتل والعطش . فقال : لا حاجة لي في الماء ، إنّما أردت أن أستأمن به . فقال عمر له : إنّي قاتلك . فقال : قد آمنتني . فقال : كذبت . قال أنس : صدق يا أمير المؤمنين ، قد آمنته . قال عمر : يا أنس ، أنا أؤمن قاتل مجزأة بن ثور والبراء بن مالك ! واللَّه لتأتينّ بمخرج أو لأعاقبنّك . قال : قلت له : لا بأس عليك حتى تخبرني ولا بأس عليك حتى تشربه . وقال له من حوله مثل ذلك . فأقبل على الهرمزان وقال : خدعتني ، واللَّه لا أنخدع إلّا أن تسلم . فأسلم ، ففرض له في ألفين وأنزله المدينة ، وكان المترجم بينهما المغيرة بن شعبة ، وكان يفقه [ شيئا من ] الفارسيّة ، إلى أن جاء المترجم . وقال عمر للوفد : لعلّ المسلمين يؤذون أهل الذمّة فلهذا ينتقضون بكم ؟ قالوا : ما نعلم إلّا وفاء . قال : فكيف هذا ؟ فلم يشفه [ 2 ] أحد منهم ، إلّا أنّ

--> [ 1 ] جالس . [ 2 ] أفلم يسفه .